تحرير الخلاف في المسائل الفقهية و العقدية


"تحرير الخلاف في المسائل العقدية" • حلقة علمية هامة لفضية الشيخ – حفظه الله - بذلنا الجهد في تقريبها للقراء وقد جاء فيها: • أحمد الله الذي جمعني بكم مرة أخرى في هذا الصرح العلمي المبارك .. • إنه لم يأت نبي ولا شرع إلا باجتماع الكلمة ونبذ الفرقة كما قال تعالى :( شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصَّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ). • وقد حذر الله من الغلو في الدين ( يا أهل الكتاب لا تَغْلوا في دينكم ) وقال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ". • والخلاف والجدال على أساس المذهب ليس من عادة أهل السنة وإنما عرف التنازع والاختلاف والتقاطع بين الخوارج ..ثم بين الشيعة الروافض فهم الذين يتشظون هذا التشظي كلما اجتمعت منهم طائفة فكثرت انقسمت ،وكلما ظهر زعيم انفرد به فريق منهم وأحدث لنفسه مذهبا جديدا. • اما أهل السنة فلا معنى لاختلافهم إذ مرجعيتهم واحدة وهم يعتبرون الاسناد ويرجعون إلى دواوين الاسلام الكبرى التي تناقلها أعلام الأمة .. • ومن اصول اهل السنة : الاعتقاد أنه لا معصوم في هذه الأمة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن كل من دونه يخطئ ويصيب ..وهم يلتمسون للمجتهد إذا أخطأ أحسن المخارج. • ومن أصولهم الترضي على الصحابة وموالاتُهم جميعا وحسن الظن بهم، وأنهم متفاضلون في الإيمان بحسب سبقهم في الإسلام ومزيتهم فيه.. وهم أولى الناس بالمغفرة لما فازوا به من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورؤيته والغزو معه ومنهم أهل بدر الذين غفر الله لهم ، وأهل أحد الذين عفا الله عنهم ، وأهل بيعة الرضوان الذين رضي الله عنهم ، والعشرة المبشرون بالجنة. • ومثل ذلك أئمة السنة وفقهاء المذاهب فهم الذي بلغوا الدين وحملوا العلم فنَدين الله بحبهم والاستغفار لهم والاقتداء بما نراه صوابا من اجتهاداتهم ونلتمس لهم العذر فيما جانبه الدليل وترجح عندنا خلافه . • ومن ذلك ما كثر الكلام فيه قديما وحديثا من قضية الأشعرية ، فإن الأشعري رجل فذٌّ من أئمة الشافعية في الفقه ولم يُختلف بين المسلمين في أنه من ائمة السنة وقد عاش في أواخر القرن الهجري الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري ...فهو من الذين تشملهم التزكية .." خير القرون قرني...ثم الذين يلونهم". • وقد انقسم السلف من أهل السنة إلى ثلاثة مذاهب ، وانقسموا في الفقه إلى أربعة مذاهب أو أكثر، وهذه المذاهب ليس واحد منها مجزوما بأنه الصواب الكامل وأن ما سواه الخطأ البين ...فكل مذهب يرجى له الخير ومن اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر..وليس في شيء منها اجتهادٌ فيما حسمه النص ..فما حسمه النص ليس مذهبا لأحد ولا ينصرف إليه اجتهادٌ لأن الأمة قد كفيت مؤونته بالنص الصحيح الصريح. • والمذاهب الثلاثة في الاعتقاد لأهل السنة هي : • مذهب أهل الحديث وهو الذي يسمى اليوم بالمذهب السلفي وهو في الحقيقة المذهب الحنبلي. • ومذهب الأشعري . • ومذهب أبي منصور الماتُريدي. • والمذاهب الثلاثة متفقة في الأصول وأن ما قاله الله حق وصدق وأنه لا أحد أعلم بالله من الله وأن ما وصف الله به نفسه فهو على ما قاله الله ... هذا لا يختلف فيه اثنان من أهل السنة . • وما تسمعونه من أن ابا الحسن الأشعري نفى الصفات ما عدا سبعا غير صحيح ..فكتب الأشعري ها هي بين أيديكم وقد صرح بأنه يثبت لله كل ما أثبته لنفسه وينفي عنه كل ما نفاه عن نفسه...والصفات السبع التي يذكرونها وهي في الحقية ثمان ..أسقط منها الفخر الرازي " الإدراك". • وذلك أن ابا الحسن الأشعري قسم الصفات إلى ثلاثة أقسام(القسم الأول) :صفة النفس وهي الوجود ( القسم الثاني ): الصفات السلبية و قد تضمنتها سورة الإخلاص وهي : الوحدانية ، الغنى المطلق ، البقاء ، القدم ،المخالفة للحوادث.( الثالث ) المعاني وعدها ثمانية : الحياة، العلم ، الإرادة، القدرة- ويسميها صفات التأثير – السمع ، البصر، الكلام – ويسميها صفات الكمال-. • وقد عد أبو الحسن الأشعري قسما رابعا من الصفات سماه " الصفات الجامعة " – وصفة جامعة فلتعلمهْ* من ذاك فاعدُدْ فضله وكرمهْ–. • ..ومن المهم في هذا الباب أن ندرك أن المتأخرين من الأشاعرة اجتهدوا بأمور لم يأت بها أبو الحسن الأشعري ..فالفخر الرازي أتى بنوع خامس من انواع الصفات سماه " المعنويات " ولم يوافقه عليه كثير من الأشعرية وإن تابعه فيه السنوسي وغيره.. وقال فيه المقّري في الإضاءة:- واسطة بين الوجود والعدمْ * ونهجها تشكو الوجى فيه القدم -. • ومجال النظر والاجتهاد متسع في كل مالم يحسمه النص شريطة أن يكون النظر فيه والاجتهاد وفق أصول وثوابت الوحي التي تنير العقل وتعصمه من الزيغ والالحاد ..وأمرٌ آخر في المجتهد وهو أ يكون من أهل الورع والتقوى والخشية ؛ فأولئك هم الذين ينور الله بصائرهم ويلهمهم الحجة ويهبهم العلم النافع .. • ثم إن كلا من أئمة هذه المذاهب الثلاثة له أتباع يزيدون ويجتهدون ما لم يأت به الإمام ، وقد تتفاجؤون إذا علمتم أن مذهب التأويل هو مذهب المتأخرين من أهل السنة جميعا حتى الحنابلة وذلك أن أول من قال بالتأويل فيما أعلم " البربهاري" من الحنابلة وأئمة آخرون .. إلى الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنهم وجدوا أن ما أثبت الله لنفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام : • القسم الأول : صفاتٌ لله يدرك العقل كونها صفة .. والصفة خاصِّيَّتها أنها تلازم الموصوف كله ويمكن الإخبار بها عن الموصوف نحو:" إن الله بكل شيء عليم". • القسم الثاني: أفعال لله جل جلاله ..فالله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء وأفعاله منزهة عن العبث ..وكلها حكمة.. ومصلحة ..وهو فعال لما يريد .. ولا مستَكْره له . • وهي تنقسم إلى أفعال لا تشبه أفعال المخلوقين ..كخلق السماوات والأرض ، وإنزال المطر. • و أفعال أخرى حصل في " أجناسها الاشتراك "..فالقاعدة التي تُبنى عليها العقيدة: نفي المشابهة ( ليس كمثله شيء ) وهذا النوع هو أفعال نظيرها في الاسم يفعله المخلوق كالاستواء والتكلم والتعجب والضحك والاتيان والمجيء . • القسم الثالث : ما لا يدرك العقل كونه وصفا ولا يدرك كونه فعلا وذلك مثل سبعة نصوص : الوجه، اليدين، العين، الساق، القدم، الأصابع ، الشخص، ..فلا يجوز الإخبار بها عن الله.. لا يجوز ان نقول الله يد أو وجه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. ولا يمكن أن تكون ملازمة لكل الموصوف ؛ فإذن هي ليست أوصافا وليست كذلك أفعالا فما هي ؟ لم نجد في ذلك نصا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا أي نص عن التابعين ..ووجدنا أن أتباع التابعين كانوا إذا سئلوا عن شيء من هذا أحالوه على اللغة العربية على مدلوله ونزهوا الله عن مشابهة خلقه.. كمالك رحمه الله فإنه لما سئل عن فعل من هذه الأفعال وهو الاستواء قال: " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول، والايمان به واجب ، وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه عني ". • وأخرج الوليد ابن مسلم أنه أدرك عبد الله ابن إدريس ومعاذ ابن معاذ ويزيد ابن هارون ...كانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك يقولون "أقِرُّوها و أمِروها كما جاءت " فهم يقرون أنها حق ..ولا يخوضون في تفسيرها حتى قال الإمام أحمد :" تفسيرها قراءتها ولا كيف ولا معنى ..هذا مذهب أتباع التابعين ..وكان هذا ممكنا قبل اتساع رقعة الإسلام ، فلما اتسعت رقعة الإسلام وساح في الأرض واختلط بأمم وشعوب ولغاتٍ أخرى، اقتضت مسؤولية البلاغ وتعليم القرآن والسنة جميعا أن نبلغ ذلك كله للناس ولا نكتم منه شيئا فهي نازلة جديدة تتطلب مخرجا .. وعلى من تجددت في زمانهم من الأئمة والعلماء أن يطلبوا لها مخرجا يصلون إليه بالإخلاص والورع، وإعمال النصوص القطعية والثوابت العقدية ..وكذلك فعلوا .. فقال الحنابلة فيها بالتأويل العام : أنها صفات لله جل جلاله – وهو قول لم ينقل عن السلف كما تقدم وإنما أوجبه الاجتهاد وتحرى الأصوب و الأرضى لله في نظر المجتهد المبلغ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم . • أما أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي فرأيا أن لنا احتمالين في هذا الباب : • الاحتمال الأول : يسمى التزيه والتفويض ..وهو أن نقول : الله لا يشبه شيئا من خلقه ونفوض إليه في المراد بها ونؤمن بها على وفق ما أراد الله تعالى وعلمه جل جلاله . • الاحتمال الثاني هو التأويل ..وذلك قياسا على تأويل الصحابة فقد أولوا صفة واحدة هي المعية العامة .. فقد جاءت المعية العامة في سورتين متواليتين من كتاب الله تعالى هما سورة الحديد وسورة المجادلة وذلك قوله تعالى : " وهو معكم أينما كنتم " " ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا "..فقد أولوا المعية العامة بالعلم والإحاطة ..فهو جل جلاله قريبٌ في علوه عليٌّ في دنوه يعلم السر وأخفي .. فيؤولون الوجه بالذات ويؤولون اليد بالقدرة ..ويؤولون الأفعال التي فيها إيهام الشبه كالاستواء والضحك ..فهذه أفعال ثبتت بالقرآن والسنة ولا يمكن إنكارها والإيمان بها واجب ..وكل الترجمات الموجودة اليوم للقرآن أصحابها مضطرون إلى التأويل .. • ويحتاج في التأويل إلى ضبطٍ ؛فأهل السنة لا يمكن أن يعودوا على الصفات بالإبطال.. والتأويل الذي يعود على الصفات بالإبطال هو مذهب المعتزلة وهم نُفاةُ الصفات .. اما أهل السنة فهم مقرون بالصفات . • كذلك لا بد أن يعلم أنه على مراد الله ..وأن مراد الله قد لا تبلغه عقولنا ، وأن ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مثل ما جاء في القرآن وأنه صدق وحق يجب الإيمان به . • فتقرر أن هذا مذهب من مذاهب السنة المتقرِّرة بنقل الأعلام والأئمة المخلصين الصالحين ، فكيف لمن جاء بعدهم ممن لم يبلغ قدرهم في العلم والورع والصدق أن يخطئهم أو يتطاول عليهم وقد قال حسان ابن ثابت : - أتهجوه ولست له بكفء* فشركما لخيركما الفداء- . • وقال الحطيئة:- أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم * من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا-. • ..إذا عرفنا هذه المقدمة سهل علينا الأمر ولم نتعصب ولم نتخندق في مذهب واحد من مذاهب أهل السنة ..ولو كنا كلما خالفنا أحد في مسألة تخلَّصْنا منه وأمَتْنا مذهبه وذكره لتخلصنا من الأمة كلها ودواوينها الكبرى ..وقد سمعت رجلا يقول إن الحافظ ابن حجر رحمه الله ليس من أهل السنة لأنه أشعري فقلت له : ما السنة ؟ فقال قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره ، فقلت له : وإذا لم يكن ابن حجر من أهل ذلك فمن أهله؟.. إن مثل هذا الكلام غلو شطط في الدين وقول على الله بغير علم ...وكان الواجب من اللاحقين للسابقين الترضي والاستغفار وعرفان الجميل كما قال تعالى : ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).



 

آخر تحديث للموقع:  الثلاثاء, 21 مارس 2017 08:44 

برنامج معالم الجزء الأول

موقع مركز تكوين العلماء

إحصائيات

المتصفحون الآن: 141 

تابعونا علــــى:

تابِع @ShaikhDadow